(توباك ) ..قصة ثائر يقبع بـ(نزانة خاصة)

الخرطوم : نبتة نيوز
شهدت ام درمان ميلاده ولم تكن تعلم انه سيخرج ثائراً ام مجرماً، لكن اقدار الحياة وتفاصيلها ربما تجعل منه بطلاً.
ولد بمستشفى الدايات بام درمان بعد مطلع الالفينيات، وبطبيعة الحال مازال طفلاً حتى الآن، ومع ذلك ربما يفوق تفكيره واسلوب حياته سنين عمره.. انه المعتقل واحد من تلمح الشرطة والمقربون من النظام بانه مشتبه به فى تهمة مقتل العميد على بريمة محمد آدم، وقد اشتهر باسم (توباك).
قالت والدته نضال سليمان إن ابنها يحمل رؤية مختلفة عن الحياة رغم صغر عمره وتجربته القصيرة، وقد سيطرت عليه دائماً الرغبة فى تغيير حال البلد الى الافضل، وشغلت جل اهتمامه وتفكيره، وانخرط فى المظاهرات التى اسقطت البشير بعمره البالغ حينها (15) عاماً.
واسترسلت نضال بصوت يملؤه كثير من الدلال والشوق لابنها الذى لم تره منذ موكب الثالث عشر من يناير قائلة: (حمودى يتوسط عدداً من الاشقاء والشقيقات، وكبقية افراد الاسرة درس مرحلتى الاساس والثانوى فى اكثر من مدرستين، بسبب تنقل سكن الاسرة فى اكثر من منطقة، فقد درس الاساس فى مدرستى عمر بن عبد العزيز وعثمان بن عفان، والمرحلة الثانوية فى مدارس المؤتمر والضو حجوج، وامتحن للشهادة السودانية فتم قبوله أخيراً لدراسة الشحن والتفريغ باحدى كليات الطيران واللغات، ويفترض أنه بصدد المداومة فى دراسته الجامعية، لكن اعتقاله الآن يحرمه من الاستمرار فى الدراسة).
(2)
وبحسب نضال يحب محمد التظاهر فى الخطوط الامامية، وقالت انه يعتز كثيراً بهذا الامر، ودائماً ما يخبرها بانه لا يخاف كبعض الشباب الذين يتراجعون للوراء اثناء التظاهرات، ويسعى لحماية زملائه المتظاهرين، وربما يعتقد ان بنيته الجيدة التى ورثها من والده تساعده فى ذلك. وترى نضال ان انضمامه لمجموعة (غاضبون) او عدمه لا يعنى شيئاً، لأن كل الشعب السودانى غاضبون فى نظرها، لكن رغم ذلك بشعور وحنان الام كانت تطلب منه التوقف عن التظاهرات فى الصفوف الامامية لان ذلك سيؤدى الى استهدافه، لكن بالرغم من ذلك استمر فى المظاهرات، مشيرة الى انه تعرض لخمس محاولات اغتيال فى المظاهرات السابقة منذ الانقلاب، وابرزها فى شارع الاربعين عندما انحرفت رصاصة مصوبة نحوه عن مسارها فاصابت وقتلت متظاهراً مر من امامه بالصدفة. وفى موقف جاكسون ايضاً اقتربت منه عربة بمسافة قريبة جداً لقتله او ربما لاختطافه، وانتبه لها اثر صيحات بائعة شاى، فركض بسرعة من العربة. تقول ان هذه المحاولات غير معروفة الجهة التى تقف وراءها، وبعضها قام به اشخاص ملثمون،
موضحة فى نفس الوقت انه تعرض لاصابات عديدة فى قدمه ويده وعينه ورأسه فى المواكب السابقة، واضافت ان ابنها ظل موجوداً دائماً فى المواقع الامامية لكل التظاهرات لذا تم استهدافه، علماً بأن نشاطه فى الحراك المستمر جعل منزلهم مراقباً بالعربات والمواتر ليل نهار، بجانب انه تلقى تهديدات بالتصفية عبر الهاتف.
وفي سياق متصل قالت انه يتعرض لتعذيب مستمر على يد متخصصين وبادوات تعذيب لا تترك آثاراً فى الجسم، واذا تمت اصابته باي اذى جراء التعذيب فإن ذلك يمثل خسارة ليست لاسرتها وانما لوطنه.
وتضيف والدة (توباك) حول محاولات الاغتيال التى تعرض لها ابنها انه كان يستهتر بتلك المحاولات ويضحك دائماً ويطمئنها بأنهم لن يفعلوا له شيئاً، ويتمسك بأن وضع البلد محتاج للتغيير، وهنا تردد مرة اخرى قائلة: (كما ذكرت فإن فهمه مختلف).
تستدرك بقلق قائلة: (ابلغنى بعض زملائه ممن كانوا معه فى المعتقل وتم الافراج عنهم، بأن المعتقلين يتعرضون لتعذيب شديد ــ وبالاخص محمد آدم ــ بانواع من العذاب من تعذيب نفسي وغرف مغلقة وهكذا), وتتساءل قائلة: (ليست لدى معلومة ان كان قد اعترف تحت هذا التعذيب بجرم لم يرتكبه، ولكن زميلته اخبرتنى بأن الضرب كان شديداً لدرجة انه يمكن ان يعترف الشخص بفعل شيء لم يفعله).. واشارت الى ان (توباك) ولد محترماً ونظيفاً جداً، ويريد التغيير لكل السودان وليس لنفسه او لاهله، ويستحيل ان يتورط فى جريمة قتل او مخدرات.
(3)
وتحدثت والدة (توباك) عن حياة ابنها، وكيف أن حراك الشارع استحوذ عليه تماماً، فخصم من اهتمامه الاكاديمى، وهو شاب محب ومجيد للرسم ومحبوب بين الناس ويحب مساعده الآخرين واجتماعى جداً وعفوى ويثق فى الجميع بكل سهولة، وكانت معظم صداقاته لشباب يكبرونه فى العمر، ونصحته كثيراً بأن يتخلى عن مصادقة من يكبرونه عمراً، وكان يرد عليها بقوله: (نحن شباب وبنفهم بعض)، ولانه الاصغر بين جميع اصدقائه كنت اوصيه دائماً عندما يخرج فى المواكب خاصة انه اصيب بمرض الضغط منذ استشهاد اصدقائه (يس ومروان والروسي)، فقد اغتالوا اشخاصاً كثيرين من اصدقائه ومعارفه ممن كانوا يحركون الشارع وكان الغرض كسر شوكتهم.
ولم يكن محمد ميالاً لتناول الاطعمة و (الملاحات)، وكان يعتمد على شراب الحليب منذ صغره وحتى الآن، لدرجة اننى ذهبت به الى الطبيب ذات مرة، وهو انسان وحساس جداً لدرجة انه يبتعد عن تناول الطعام الشهي عند استشهاد اى متظاهر، ويبدي استغراباً عندما يجد (سفرتنا) تحتوى على اطعمة شهية نجلبها احياناً، ويستنكر علينا ذلك بقوله: (تأكلون وتشربون بشكل عادى رغم استشهاد الشباب وموت الناس؟).
(4)
وتتحدث والدة (توباك) عن آخر لقاء تم بينها وبين ابنها، وقالت انه كان عبر الهاتف بعد مليونية (13) يناير بيوم، عندما اتصل حينها واخبرها بانه اصيب فى قدمه، ودعاها الى الا اقلق عليه، فهو يمتاز بخاصية الصبر، وهو صبور جداً، وان كان يريد ان يموت حسب تعبيرها، مشيرة الى انه لم يعد للمنزل بعد انتهاء المليونية لجهة انهم مراقبون من قبل السلطات، بحسب ما اخبرها خلال الاتصال الهاتفي، وقال ان اي شخص معوق يتم اعتقاله فى الشارع، وطلبت منه ان يؤمن نفسه فوعدها بذلك، مشيراً الى انه يرافق ايضاً بعض زملائه المصابين كانوا في ذلك الوقت في مستشفى الجودة، حيث تم لف اصابته بـ (شريط طبى)، وفي صباح اليوم التالي ذهب فعلاً ليقابل الطبيب فى رويال كير، فداهمتهم السلطات الامنية فى المستشفى، وكان قد طالبها بعدم الحضور للمستشفى لجهة ان هناك اشخاصاً يراقبون المنزل، وتوقع انهم سيتبعونها عند خروجه. وتناشد نضال السلطات ان يسمحوا لها بمقابلة ابنها، قائلة انها طرقت كل الابواب دون جدوى.
وحتى تحقق والدة محمد آدم حلمها برؤية ابنها، سيظل (توباك) يعيش فى تجربة لا أحد يعرف نهايتها، وربما تحوله هذه التجربة إلى شخصية لها مستقبل مختلف اذا خرج منها سليماً معافى.
الانتباهة : رندا عبدالله

